مصطفى صادق الرافعي
151
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة ؛ فإنه إنما يسمع ضربا خالصا من الموسيقى اللغوية في انسجامه واطراد نسقه واتزانه على أجزاء النفس مقطعا مقطعا ونبرة نبرة كأنها توقّعه توقيعا « 1 » ولا تتلوه تلاوة . وهذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلا الجمل القليلة التي إنما تكون روعتها وصيغتها وأوزان توقيعها من اضطراب النفس فيها إذ تضطرب في بعض مقامات الحماسة أو الفخر أو الغزل أو نحوها فتنتزي بكلام المتكلم من أبعد موضع في قلبه حتى تنتهي به إلى الحلق ثم ترسله من هناك وكأن ألفاظه عواطف تتغنى . وقد كان منطق القوم يجري على أصل من تحقيق الحروف وتفخيمها ، ولكن أصوات الحرف إنما تنزل منزلة النبرات الموسيقية المرسلة في جملتها كيف اتفقت ، فلا بد لها مع ذلك من نوع في التركيب وجهة من التأليف حتى يمازج بعضها بعضا ، ويتألف منها شيء مع شيء ، فتتداخل خواصها ، وتجتمع صفاتها ، ويكون منها اللحن الموسيقيّ ، ولا يكون إلا من الترتيب الصوتي الذي يثير بعضه بعضا على نسب معلومة ترجع إلى درجات الصوت ومخارجه وأبعاده . فكان العرب يترسّلون أو يحذمون « 2 » في منطقهم كيفما اتفق لهم ، لا يراعون أكثر من تكييف الصوت ؛ دون تكييف الحروف التي هي مادة الصوت ، إلى أن يتفق من هذه قطع في كلامهم تجيء بطبيعة الغرض الذي تكون فيه ، أو بما تعمّل لها المتكلم ، على نمط من النظم الموسيقى ، إن لم يكن في الغاية ففيه ما عرفوه من هذه الغاية .
--> ( 1 ) والروايات التي ثبتت لهذا المعنى كثيرة ، وما أسلم عمر بن الخطاب على شدته وعنفه إلا حين رق للقرآن ، وما عبد اللّه جهرة إلا منذ أسلم عمر . ولكن أبلغ ما يثبت هذا المعنى ، ما رووه من أن ثلاثة من بلغاء قريش الذين لا يعدل بهم في البلاغة أحد ، وهم الوليد بن المغيرة ، والأخنس بن قيس ، وأبو جهل بن هشام ، اجتمعوا ليلة يسمعون القرآن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو يصلي به في بيته إلى أن أصبحوا ، فلما انصرفوا جمعتهم الطريق فتلاوموا على ذلك وقالوا : إنه إذا رآكم سفهاؤكم تفعلون ذلك فعلوه واستمعوا إلى ما يقوله واستمالهم وآمنوا به ، فلما كان في الليلة الثانية عادوا وأخذ كل منهم موضعه ، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق فاشتد نكيرهم وتعاهدوا وتحالفوا أن لا يعودوا ، فلما تعالى النهار جاء الوليد بن المغيرة إلى الأخنس بن قيس ، فقال : ما تقول فيما سمعت من محمد ؟ فقال الأخنس : ما ذا أقول ؟ قال بنو عبد المطلب : فينا الحجابة ، قلنا : نعم ، قالوا : فينا السدانة ، قلنا : نعم ، قالوا : فينا السقاية ، قلنا : نعم ، يقولون فينا نبي ينزل عليه الوحي ! واللّه لا آمنت به أبدا ! فما صدهم إلا العصبية كما ترى . وكما علمت في غير هذا الموضع ، وقال الذين كفروا : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ، فهم إذا لم يسمعوه كان في ذلك رجاء أن يغلبوا ، فتأمل معي « تغلبوا » . ( 2 ) يقال : حذم في قراءته ، إذا أسرع .